بين واقع مجالس العمل التحكيمية والاتحاد العمالي العام حقوق العمال في متاهة

تشرين2 04, 2016

المرصد- فرح قبيسي

17/9/2012

عندما قرر السيد فؤاد المخزومي، بعكس ما تشير الوقائع، أن مصنعه "أنابيب المستقبل" يكبده خسائر، تذرع بالـ"ظروف الاقتصادية القاهرة" (المادة 50 من قانون العمل)، لصرف عماله الـ400 (بين ثابت ومياوم) عام 2010 من دون أي تعويضات،  لتغلق  بالتالي أمام  هؤلاء العمال وأمام عائلاتهم أفق المستقبل على مبدأ "قطع الأرزاق من قطع الأعناق".

وقد صد رئيس حزب "الحوار الوطني" أي باب للحوار أو التفاوض مع عماله، مما دفعهم لتقديم شكوى جماعية إلى وزارة العمل. وعندما حددت الوساطة بين العمال وصاحب العمل، قرر الوسيط أن نزاع العمل ليس بجماعي بل فردي! عند ذلك تقدم 190 منهم بدعاوى فردية أمام مجلس العمل التحكيمي عام 2010 للمطالبة بإبطال قرار الصرف وإعادتهم للعمل على أساس الصرف التعسفي. وما حصل منذ ذلك التاريخ أن الجلسات كانت تتأجل مرة تلوى الأخرى بسبب تغيّب القاضي. وفي شهر تموز عام 2011، توقف المجلس عن العمل لمدة تسعة أشهر كاملة بسبب تمنّع مجلس الوزراء لأسباب "سياسية" عن إصدار مرسوم بتعيين مندوبي كل من العمال وأصحاب العمل. عاود المجلس عمله بعد صدور المرسوم، إلا أن عمال "أنابيب المستقبل" ما زالوا بانتظار تحصيل حقوقهم.. فقضيتهم، وبعد مرور سنتين، لم تبت إلى الآن، ومعها مصير عائلات بأكملها معلّق في الهواء علما أن دعاوى العمل لها صفة الاستعجال!

 

فعالية مجالس العمل على المحك:

تسلط قضية عمال مصنع "أنابيب المستقبل" الضوء على مواطن الخلل في عمل مجالس العمل التحكيمية، فعمال "أنابيب المستقبل" وغيرهم الآلاف، يشكون من البطء "المرضي" في بت الدعاوى. وتعود أسباب هذا التأخير إلى قلة عدد الغرف وقلة عدد الجلسات التي تنحصر بواحدة أسبوعيا وقد تتأجل باستمرار تحت ذرائع شتى مثل غياب القاضي، أو العطل القضائية، والتأخير في إقرار مراسيم تعيين ممثلي العمل وأصحاب العمل مثلما حدث خلال السنة الماضية...الأمر الذي يمكّن أصحاب العمل من استغلال هذه العوامل مجتمعة لخلق أمر واقع جديد يدفع العمال لليأس من تحصيل حقوقهم المنتهكة، والتخلي بالتالي عن مطالبهم أو متابعتهم لقضية صرفهم، أو البحث عن فرص عمل في أماكن أخرى لتلبية متطلبات عائلاتهم المعيشية رغم قلة الفرص المتاحة في بلد يعاني شبابه وأبناؤه من نسبة كبيرة من البطالة.

وبالنتيجة، فإن الدعوى التي يفرض قانون العمل على مجلس العمل التحكيمي بت الحكم فيها بصورة مستعجلة (أي خلال 6 أشهر كحد أقصى) تبقى في المحاكم لسنوات طويلة دون بت، ويذكر في هذا المجال ممثل العمال أمام مجلس العمل سعد الدين حميدي صقر حالة أجير كان تقدم بدعوى صرف تعسفي إلا انه توفي قبل أن يحصّل حقوقه، فاستمر فيها من بعده ورثته!

ويدفع هذا الواقع العمال في حالات عدة إلى التردد في رفع شكوى، أو سحبها بعد فترة، أو التنازل عن حقوقهم لأصحاب العمل في مقابل تعويضات هزيلة "لا تسمن ولا تغني من جوع" لتجنب "مهزلة" محاكم العمل التي يتناقض عملها تماماً مع الفلسفة التي أنشئت على أساسها. والمؤسف أن أمثال هذه الحالات تحصل وسط صمت مطبق يصل لحدود التواطؤ من قبل "ممثل" العمال الرسمي: الاتحاد العمالي العام.

 

مجالس العمل التحكيمية والغاية من إنشائها مقارنة بواقعها:

ينفع في هذا المقام أن نذكر بأن إنشاء مجالس العمل التحكيمية لم يحصل بفعل نضال الحركة العمالية والنقابية في لبنان، بل تم إنشاء هذه المجالس في لبنان عام 1946 نقلاً عن قانون العمل الفرنسي للنظر في نزاعات العمل الفردية  بموجب المادة 77 من قانون العمل الصادر في 23 أيلول من السنة نفسها. وتعود تاريخياً نشأة هذه المجالس الى القرون الوسطى في فرنسا ، حيث تأسست عام 1296 بتكليف ملكي، مجالس من التجار المعروفين بنزاهتهم  “Conseil de Prud’hommes” لحل المشاكل التي تطرأ بين التجار والحرفيين في الأسواق. ومع تطور الرأسمالية الصناعية التي سيطرت لاحقاً على نمط الإنتاج، وواكبها امتداد حراك القاعدة العمالية، تم تعديل نظام عملها عام 1848 ليدخل لأول مرة إلى المجالس ممثلون عن العمال  وعن أصحاب العمل يترأسهم قاض للبت بالنزاعات بصورة مستعجلة.

إذن، الفلسفة التي أوجبت نشأة مجالس العمل التحكيمية هي إقامة محاكم خاصة للبت بنزاعات العمل حصرا و"بصفة مستعجلة" منعا للمماطلة والتسويف نظرا للطبيعة الاجتماعية التي تتميز بها القضايا التي تُطرح أمامها والتي تَمس الأجراء في أرزاقهم وموارد عيشهم. الأمر الذي من شأنه أن يعفي الأجراء من انتظار الإجراءات الطّويلة الأمد أمام المحاكم العادية. وبالتالي فإن مجالس العمل التحكيمية هي، بحسب  المرحوم القاضي علي الشخيبي "قضاء استثنائي أملاه تيسير التقاضي على العمال باعتبارهم الجانب الضعيف في علاقات العمل، وحتى لا يقعد بهم ضعفهم عن المطالبة بحقوقهم، ومقاومة المحاولات الرامية لحرمانهم من الحماية التي يقررها القانون لمصلحتهم"[1]. وبناء عليه أعفيت القضايا المرفوعة إلى مجالس العمل من الرسوم ومن رسم الطابع دون النفقات (كأتعاب الخبراء أو الأطباء التي يتحملها الفريق الخاسر)[2]. ويقع ضمن اختصاص مجالس العمل مطلق نزاع فردي يقوم بين صاحب عمل مرتبط مع أجيره بعقد عمل بمفهومه الواسع عملاً بأحكام المادة 624/1 من قانون الموجبات والعقود، ليشمل بذلك  عمال وعاملات المنازل الذين يعملون لدى أفراد وكذلك العمال الزراعيين بالرغم من ان هاتين الفئتين غير خاضعتان لاحكام قانون العمل. وتنظر في كل الخلافات الناشئة بين صاحب العمل والأجير الناتجة عن تطبيق أحكام قانوني العمل والضمان الاجتماعي.

كذلك تعتبر مجالس العمل التحكيمية من الهيئات الثلاثية التمثيل كـ"الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي" و"لجنة مؤشر غلاء المعيشة" وغيرهما الذي تتمثل فيها عادة أطراف "الحوار الاجتماعي" الثلاثة (العمال وأصحاب العمل والدولة). فتتألف المجالس من غرف مركزها المحافظة يترأسها قاض يعين بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى، ومن عضوين، أحدهما يمثل أرباب العمل والآخر يمثل العمال يعينان بمرسوم صادر من مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العمل. ويُعين بالطريقة نفسها عضوان ملازمان أحدهما عن أرباب العمل والآخر عن العمال ليقوم كل منهما مقام العضو الأصيل في حال غيابه. ويعين أعضاء المجلس الأصليون أو الملازمون لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. وكذلك تتمثل وزارة العمل في المجلس بمفوض حكومة.

 

مصالح العمال بين الاتحاد العمالي العام ومجالس العمل التحكيمية: تمثيل ملتبس

ويطرح التمثيل العمالي في إطار مجالس العمل التحكيمية كطرف من أطراف "الحوار الاجتماعي" ، واقع الاتحاد العمالي العام في الوقت الحاضر، ومدى التزامه بتمثيل مصالح العمال في إطار المجالس المذكورة.

وتفيد هنا الإشارة إلى أن قانون العمل لم يمنح صراحة الاتحاد العمالي العام صلاحية تعيين ممثلي العمال في مجالس العمل التحكيمية ، الا أن آلية تمثيل الطرف الممثل للعمال في مجالس العمل يتم بموجب عرف سائد من خلال اقتراح يقدمه الاتحاد العمالي العام بطلب من وزير العمل، بوضع لائحة بأسماء الممثلين عن العمال قابلة للتعديل من قبل هذا الأخير، ويتم إقرار اللائحة بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء.

يعود هذا العرف المتبع في تحديد ممثلي الاجراء الى ان الاتحاد يعتبر الهيئة النقابية "الأكثر تمثيلا للأجراء على جميع الأراضي اللبنانية" بموجب مرسوم صدر عام 1992 ،  ما أولاه صفة المحاور الأول للدولة بحكم مرسوم حكومي وبغياب أية معايير موضوعية في تحديد مدى تمثيلية النقابات أو الاتحادات المنضوية تحت لوائه[3] ،  وذلك خلال الفترة الأسوأ في تاريخ الحركة النقابية التي تمكنت فيها التيارات الطائفية والأحزاب من بسط سيطرتها على الاتحاد العمالي العام وما تزال، ما أسهم في إضعاف صفته التمثيلية للعمال لصالح تمثيل الطوائف والأحزاب التابعة لها تحت مسميات نقابية.

وبناء على ما تقدم، يشكك مصدر نقابي في شمولية تمثيل الاتحاد العمالي لمصالح العمال الفعلية لا سيما في إطار مجالس العمل التحكيمية لأكثر من سبب من بينها المحاصصة الطائفية والمحسوبيات وغياب الحرية النقابية فيقول:

" لا يجوز أن يكون من يمثل بالأكثر 7% من كل العاملين بأجر في لبنان هو الذي يعتبر الأكثر تمثيلا... فلتصدق الدولة اللبنانية على الاتفاقية الدولية رقم 87 الخاصة بالحريات النقابية ومن دون تحفظ، حينها فقط يصح الحديث عن تمثيل عمالي حقيقي".

وتنص المادة الأولى من الاتفاقية رقم 144 لمنظمة العمل الدولية الخاصة بالمشاورات الثلاثية على أنه: "تعني عبارة "المنظمات الممثلة"(...) أكثر المنظمات تمثيلا لأصحاب العمل ولمنظمات العمال المتمتعة بحق الحرية النقابية". فإذا ركنا إلى هذه المادة، نرى ان "الحرية النقابية" شرط أساسي لنشأة منظمات نقابية ذات تمثيل فعلي عبر معايير تمثيلية موضوعية، عندها فقط يصح الحديث عن النقابات أو الاتحادات الأكثر تمثيلا. ففي لبنان، فرض الإتحاد العمالي العام نفسه كـ"الأكثر تمثيلا" بموجب مرسوم حكومي، وتعزز موقعه هذا بفعل تقييد إنشاء النقابات والاتحادات بالحصول المسبق على ترخيص من وزارة العمل وفي ظل منع موظفي القطاع العام من تأسيس نقابات تدافع عن حقوقهم، مما يضرب بعرض الحائط ألف باء الحرية النقابية.

 

ممثلي العمال "حالة شاذة"

وبحسب المصدر النقابي، أن لائحة المرشحين لعضوية مجالس العمل التحكيمية التي يضعها الإتحاد العمالي العام تخضع لقواعد المحاصصة الطائفية والمذهبية والسياسية و"غالبا ما يتم اختيارهم قياساً بنسبة موالاتهم للقيادة النقابية، مقابل تأمين راتب شهري يوازي 300 ألف ليرة شهريا"، على اعتبار أن كل عضو يتقاضى 80 ألف ليرة بدل الجلسة الواحدة التي يصل عددها إلى 4 شهريا. مع الإشارة إلى أن وزير العمل السابق شربل نحاس حاول إجراء تغييرات في اللائحة التي اقترحها الإتحاد، فوضع أسماء نقابيين مستقلين مشهود لهم بتاريخهم النضالي الطويل في الدفاع عن مصالح العمال، فقامت الدنيا ولم تقعد داخل الإتحاد "وبقيت في أدراج مجلس الوزراء مدة 3 أشهر لأن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي لم يرد نشرها في الجريدة الرسمية بسبب من تدخل الوسايط" على حد قوله، إلى أن جاء وزير العمل الحالي سليم جريصاتي  الذي وقع اللائحة المرسلة من الاتحاد "كما هي".

وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن ممثلي العمال لا يخضعون لأي نوع من التدريب والتثقيف النقابي حول قوانين العمل والضمان لتأهيلهم بالشكل المناسب كطرف يعوّل عليه للدفاع عن حقوق العمال في مجالس العمل التحكيمية. فما من برنامج أو موازنة يخصصها الإتحاد العمالي العام لإعداد كوادره. فيشكو رؤساء المجالس، وهم من القضاة الممتهنين، من عدم كفاءة اغلبية ممثلي العمال وعدم معرفتهم لابسط قواعد قانون العمل والضمان الاجتماعي، مما يشكل عائقاً اضافياً يؤخر في البت في القضايا المطروحة امام هذه المجالس. كما أن المندوبين أو ممثلي العمال لا يقدمون تقارير دورية لهيئات الإتحاد عن أبرز القضايا المعروضة أمام مجالس العمل وأبرز الاجتهادات القضائية.

أما الطامة الكبرى التي تهز من صدقية تمثيل الاتحاد العمالي للمصالح الفعلية للعمال،  فتتمثل في أن عددا من "ممثلي" العمال أعضاء مجالس العمل التحكيمية ، ليسوا من العمال بل أصحاب عمل! وهنا يحق لنا أن نطرح سؤالاً بديهياً: كيف يمكن أن يمثل "صاحب عمل"، العمال أي "خصومه" في إطار مجلس العمل التحكيمي؟

حين تمت مفاتحة أمين عام "الإتحاد العمالي العام" سعد الدين حميدي صقر بهذا الواقع استنكر مجرد طرح هذا السؤال، وهو بالمناسبة عضو أصيل في الغرفة الثانية لمجلس العمل التحكيمي في بيروت ورد بانفعال " أنا أرفض الجواب عن هكذا سؤال لأن الاتحاد لا يعين إلا العمال الذين هم أعضاء فاعلين. وإن كان هنالك من حالة شاذة، فليست من مسؤولية الإتحاد العمالي العام". إلا أن نظرة متفحصة لأسماء المندوبين التي نشرت بموجب المرسوم 8081 في الجريدة الرسمية بتاريخ 17-5-2012 تظهر أن "الحالة الشاذة" فعليا هي وجود عمال كممثلين للعمال أمام مجالس العمل. فمن بين الـ15 عضو أصيلا، هنالك اثنان من أصحاب العمل، 4 متفرغين في أحزاب، و6 يعملون في مهن حرة أو متقاعدين (ليسوا بأجراء) واثنين فقط ممن تنطبق عليهم صفة "عامل".

 

كيف الخروج من هذا الوضع؟

يقول المصدر النقابي أن "إصلاح القضاء يجب أن يكون من أولويات الحركة النقابية كون القضايا التي تطرح أمامها هي قضايا حياتية ويومية تمس مباشرة العمال والعاملات في أرزاقهم ومعيشتهم". علما أن نحو 90% من الدعاوى المطروحة أمام مجالس العمل التحكيمية، وبحسب مرجع قضائي، تتعلق بدعاوى صرف أو إنهاء عقد العمل سواء من قبل الأجير أو صاحب العمل، لذا فإن دور محاكم العمل محدود لجهة حماية حقوق الأجراء ومن هنا الدور المحوري الذي يجب أن تلعبه الهيئات والسلطات الأخرى (نقابات ووزارة العمل) في مجال حماية الأجراء أثناء فترة عملهم.

إلا أنه في السابق تم تقديم عدد من الاقتراحات لجعل عمل مجالس العمل التحكيمية أكثر فعالية، وأكثر قدرة على الاستجابة إلى المهلة التي حددها قانون العمل (المادة 80) للبت بالدعوى في مهلة الـ6 أشهر. ومن هذه الطروحات: تكثيف عدد الجلسات وإنشاء غرف جديدة يكون مقرها المحافظة حيث هنالك تمركزا عماليا، وليس بالضرورة في مركز المحافظة. إذ أن واقع الحال يدفع على سبيل المثال العمال الموجودون في حدود البترون أو النهر الأولي أن يقدموا شكواهم في بعبدا. كما أن على عمل المحاكم أن يتسم بالاستمرارية فلا يتوقف لمجرد عجز أو عدم رغبة الحكومة بإصدار مراسيم التعيينات.

أما على صعيد التمثيل العمالي أمام مجالس العمل فيقول الوزير شربل نحاس أنه "هناك بعض الخطوات التي ممكن أن تعيد الثقل للتمثيل العمالي منها التدريب والتثقيف النقابي المستمر لممثلي العمال، ووضع معايير واضحة وموضوعية لانتدابهم كأن يكونوا بالدرجة الأولى عمالا!"

  1. Popular
  2. Trending
  3. Comments

Calender

« September 2019 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30