مقالات وتحقيقات

حقوق العمال بين بيروقراطية مجالس العمل وسبات النقابات

-المرصد   Mon, 11/03/2014

أسعد سمور- يزداد الوضع الإقتصادي تأزما في ظل غياب الأفق السياسي وتوتر الوضع الأمني في البلاد، والعلاقة بين الوضعين الإقتصادي والسياسي-الأمني هي علاقة جدلية، فإذا كان الوهن السياسي-الأمني يؤدي إلى خسارة السوق اللبنانية لفرص الإستثمار والعمل، فإن تراجع الإقتصاد مهما كان طفيفا سينعكس بفعالية أعلى بكثير على المستوى الإجتماعي وبالتالي سيزيد من حدة التوترات الإجتماعية وما ينتج عنها من إنعكاسات على الإستقرار الإجتماعي والسياسي والأمني. وإذا كانت الحكومات اللبنانية أمام معضلة تأمين أكثر من 30 ألف فرصة عمل سنويا فإن الواقع الحالي يفترض منها إيجاد حلول لوقف التدفق الكبير من سوق العمل إلى سوق البطالة.

حالات الصرف التعسفي تتنامى بشكل كبير، في ظل تأزم الوضع الإقتصادي، حيث ينشط أصحاب العمل في عمليات استبدال العمالة اللبنانية بأخرى سورية، في ظل ظروف تشغيلية هي أشبه بالإستعباد، سواء لجهة الأجر، أو لعدد ساعات العمل، أو غياب التقديمات الإجتماعية والصحية. وإذا كان القانون يحمي العامل المتعرض للصرف من خلال محكمة تنظر في نزاعات العمل هي مجلس العمل التحكيمي، فإن معيقات كثيرة تحكم أداء عمل هذا المجلس.

وكان قانون العمل اللبناني قد نص في المواد 77 و78 و79 و80 و81 و82 على دور مجلس العمل التحكيمي وآليات عمله. وتنظر المحكمة في ثلاث قضايا أساسية وهي النزاعات المتعلقة بالحد الأدنى للأجور، ونزاعات طوارئ العمل، ونزاعات الصرف من الخدمة. وبالرغم من أن مجلس العمل التحكيمي ليس محكمة مستعجلة إلا أنه يحمل صفة الإستعجال، أي أن الحكم يجب أن يصدر خلال 3 أشهر من رفع الدعوى ومع ذلك تؤكد مصادر مطلعة في وزارة العمل  لـ"المرصد"  أن معدلات البت في الشكاوى تترواح بين سنتين وعشر سنوات، ويمكن للباحث في سجلات شكاوى مجلس العمل أن يلاحظ بسهولة أن عمر الدعوى قد يقفز فوق العشر سنوات، فقد تمكن المرصد من رصد شكوى قدمت عام 1998 ولم يصدر حكم نهائي فيها حتى اليوم.

التأخر في إصدار الأحكام يعود لأسباب كثيرة منها حجم تدفق الشكاوى على أقلام المحكمة خصوصا في ظل الوضع الراهن، ويشير المصدر المطلع في وزارة العمل إلى أن هذه النسبة من الشكاوى تؤشر على ثقة العمال بأداء المجلس التحكيمي ويضيف المصدر:" إن إمكانية التسريع في إنجاز الدعاوى ممكنة إذا أعطيت وزارة العمل دورا ملزما في حل القضايا قبل أن يتم تحويلها إلى مجلس العمل التحكيمي" مؤكدا أن "إعطاء هذا الدور لوزارة العمل سيخفف من أعباء الدعاوى عن المجلس التحكيمي بنسبة لا تقل عن 50%."  وإعطاء وزارة العمل مزيدا من الصلاحيات لمعالجة نزاعات العمل سيسمح بتخفيف الضغط عن مجالس العمل التحكيمية والإسراع في البت بالقضايا العالقة.

ولا يقتصر التأخير في إصدار الأحكام على النسبة العالية لمقدمي الدعاوى في ظل وجود 5 غرف في بيروت و3 فقط في جبل لبنان مع العلم أن الأخير أكبر من حيث المساحة ومن حيث تركز المؤسسات خصوصا الصناعية فيه، ومن عوامل التأخير في إصدار الأحكام بحسب المصدر المطلع في الوزارة أن الأحكام التمييزية التي تصدر لا تعمم ولا يتم أرشفتها وحفظها ويؤكد المصدر أن تعميم هذه الأحكام سيسمح لمختلف القضاة في الغرف كافة سواء في بيروت أو جبل لبنان أو البقاع او غيرها من المحافظات من تسريع وتيرة الأحكام استندا على الإجتهادات والأحكام الصادرة عن محاكم التمييز، وفي هذا السياق يلفت المصدر نفسه لـ"المرصد" أن القضاة في مجالس العمل التحكيمي يمارسون عملهم في هذه الغرف من حوالي 7 سنوات ما يعني أنهم راكموا خبرات جيدة في مجال نزاعات العمل، إلا أن التشكيلات القضائية المرتقبة قد تنتهي باستبدالهم بقضاة يأتون من خلفية المحاكم الجزائية أو المدنية أو غيرها، وهي محاكم بعيدة في اختصاصاتها عن نزاعات العمل، ما يعني أن التشكيلات القضائية القادمة قد تؤدي إلى المزيد من التأخير نظرا لأن القضاة الجدد لن يمتلكوا الخبرة التي لدى القضاة الحاليين، وهذا ما يتطلب من وزارة العدل بالتعاون مع وزارة العمل، العمل على وضع دورات تدريبية للقضاة خصوصا أن قانون العمل بحسب المصدر نفسه "سهل ممتنع"، وفي هذا الإطار يؤكد مرجع قضائي مختص إلى أن المحاضرات المخصصة عن قانون العمل في المعهد العالي للقضاء هي أشبه بـ"الشعر" أكثر منها دراسة معمقة في قانون العمل.

ولا يجب أن تقتصر الدورات التدريبية على القضاة الذين يتم تشكيلهم إلى مجالس العمل التحكيمية بل يجب أن تمتد إلى كوادر وزارة العمل خصوصا للمحققين الذين يقومون بدارسة الملفات المتعلقة بنزاع العمل، ما يساهم بشكل فعلي بتسريع عملية حل نزاعات العمل، بالإضافة إلى توسيع عدد الغرف في مجالس العمل التحكيمية، ولن يشكل توسيعها عبئا ماليا كبيرا على الدولة إذ أن  تعويضات أعضاء المجلس التحكيمي حسب المرسوم رقم 9038 الصادر عام 1996 نصت على أن لا يتجاوز التعويض الشهري عن 320 ألف ليرة لبنانية مهما بلغ عدد الجلسات.

التأخير في البت بنزاعات العمل، لا يقتصر على التعقيدات القانونية والإدارية، إذ أنه وغالبا ما يلجأ أصحاب العمل إلى المماطلة واستنزاف الوقت ما يفقد التعويض قيمته الحقيقية نظرا لإرتفاع معدلات التضخم السنوية، ما يترتب على المشرعين إلزام أصحاب العمل بدفع فوائد مضاعفة على التعويضات في الدعاوى التي تستغرق أكثر من 3 أشهر، ما يشكل رادعا قويا لمماطلة أصحاب العمل خصوصا أن ما لايقل عن 80% من الأحكام تكون لصالح العمال مع العلم أن ما نسبته من 6 إلى 7% من الشكاوى تقدم إلى محاكم غير صالحة للنظر في نزاعات العمل.

وتقديم الشكاوى إلى محاكم غير صالحه يفتح الباب على دور النقابات أو بالأحرى عن اللادور الذي تقوم به النقابات العمالية تجاه قضايا العمال ومشاكلهم، وفي هذا الإطار يلفت رئيس إتحاد نقابات الكيماويات وعضو مجلس العمل التحكيمي سليمان حمدان إلى أن "40% من مندوبي العمال غير ملمين بالقانون ولا يدرسون ملفا، ولا يعرفون قانونا، وليسوا متمرسين على القوانين وحل نزاعات العمل" وعن آلية تعيين هؤلاء المندوبين كممثلين عن العمال يقول حمدان "لا يجوز لأي كان أن يتبوأ أي مسؤولية نقابية إلا إذا عاش تجربة تخوله الدفاع عن العمال وتكسبه معرفة بالقوانين من خلال الممارسة الطويلة، ولكن تدخل الأحزاب أوصل عديمي الخبرة النقابية إلى قيادة الحركة النقابية وباتوا يشكلون 70% منها ما أدى إلى إفراز مندوبين عن العمل لا يتمتعون بأي خبرة او تجربة أو إلتزام" ويؤكد حمدان أن هذا السبب أدى إلى تراكم الملفات وعدم البت فيها لأن أكثرية الأعضاء "لا يعرفون أصلا كيف تدار هذه المحاكم".

ولفت حمدان إلى أن "نسبة قليلة جداً من العمال يلجأون إلى نقاباتهم قبل الدخول في الدعاوى" ما يظهر حجم الوهن الذي يعاني منه الجسم النقابي والذي ينعكس سلبا على سرعة البت في الدعوى المرفوعة أمام المجلس، بالإضافة إلى أن عدد من المحامين يعانون من ثغرات في فهم قانون العمل ويؤكد حمدان أنه لفت نظر عدد لا بأس به من المحامين إلى "ثغرات في مطالعاتهم" ويضيف "قل ما يهتم المحامون بقضايا العمال، لأنهم يتقاضون أتعابهم بعد إصدار الحكم عادة، ولذلك يصبون إهتماماتهم على القضايا الأخرى الجزائية أو المدنية.." وشدد حمدان على ضرورة إنشاء صندوق "لتسديد أكلاف المحامي" مع العلم أن المادة 80 من قانون العمل تنص على أن القضايا التي ترفع أمام المجلس التحكيمي تعفى من "من الرسوم القضائية دون النفقات فهذه تبقى على عاتق الفريق الخاسر."

ومسؤولية النقابات تتعدى واجبها الذي لا تقوم به أصلا في متابعة قضايا العمال إلى غياب دورها في نشر الوعي بين الصفوف العمالية عن حقوق العمال القانونية وآلية إدارة نزاعاتهم مع أصحاب العمل، والترويج لمجلس العمل التحكيمي وفرز محامين يوكل إليهم قضايا العمال في هذه المجالس، ووضع برامج تدريبية لمندوبي العمال، وعقد لقاءات قانونية بين المندوبين من مختلف المحافظات لتبادل الخبرات وتوزيع الإجتهادات القضائية.

وإذا كان التدخل السياسي في شؤون الحركة النقابية بارزاً، وظهر جليا مع الإطاحة بوزير العمل السابق شربل نحاس إثر محاولته تعيين مندوبين عن العمال يمتلكون الخبرة والتجربة النقابية ما أدى إلى تعطيل عمل المجلس 9 أشهر، فإن عملية تسيس الحركة النقابية أدت إلى شل الحركة النقابية، وفي هذا الإطار يلفت "حمدان" إلى أنه في عهد أمين عام الإتحاد العمالي العام الياس بو رزق "كان لا يستطيع أحد الترشح إلى مندوبي العمال في المجلس التحكيمي إلا إذا من قام بدورة تدريبية قانونية، لكن الحركة النقابية وقتذاك لم تذهب باتجاه المأسسة".

وبالرغم من التدخل السياسي بالإضافة إلى أزمات الحركة النقابية إلا أن "حمدان" لا يتوان عن دعوة العمال إلى اللجوء للنقابات مؤكدا أنه "حتى النقابات الطائفية والحزبية لا تستطيع التخلي عن العامل عندما يلتجئ إليها."

Read 91 times
Share this article
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…